من تراث المنطقة

نافذة على التراث
تقديم:
لقد كلفنى الاخ فضل الله دريبات بالاطلاع على هذا البحث القيم والتعليق عليه قبل نشــره فى موقع النهـود فله الشكر على ذلك.
الحق يقال اننى قد وجدت في هذا البحث مادة دســمة تم جمعها بعناية وتحليلها بعمق. وقد اســترعى انتباهى ذلك الاســلوب الشــيق الذى وصف به الكاتب المواقف الاجتماعية وجســد شــخصياتها حتى يخيل للقارىء انه يرى ما يحدث من وراء الســطور. اما من ناحية المضمون فقد ركز البحث على ابراز القيم الاخلاقية لانســان المنطقة المتمثلة فى الكرم والشهامة والشــجاعة. وفى نظرى ان هذا الجانب يحتاج الى مجهود كبير من ابناء المنطقة لمحو الصورة المشــوهة التى عكســها الانجليز فى كتاباتهم عن المنطقة. فقد وصف الإنجليز قبيلة حمر يالشــراســة والتمرد على القوانين الادارية كما وصفوا سكان مدينة النهود من الجلابة بانهم مجموعة من تجار الرقيق. وقد ذكر المســتر جيمس روبرتســون الحاكم العام السـابق انه لم يجد طوال خدمته فى الســودان الشــمالى قبيلة اشــد تمردا على القوانين من قبيلة حمر ولم يكن يتوقع ان ينجح ناظر العموم (الشــيخ منعم منصور) فى الســيطرة على هذه القبيلة لذلك وصفه بانه قدوة فى الفضيلة (Paragon of virtue) عندما اســتطاع توحيد القبيلة تحت قيادته. وبالطبع فان الانجليز لم تتح لهم الفرصة لمعرفة الجوانب المشرقة من حياة القبيلة لان اجندة المســتعمر عادة لا تتعدى ضبط الامن وتحصيل الضرائب واستغلال ثروات المنطقة.
اننى اهنىء الاخ فضل الله بهذا المجهود المقدر واتمنى أن يواصل البحث بتناول نوع آخر من فنون المنطقة مثل الجرارى والعنقالى والتوية, واضم صوتى الى صوته فى حث ابناء المنطقة على جمع التراث وتوثيقه فى هذا الموقع الذى انشــأناه ليكون مرآة تعكس جميع جوانب الحياة فى المنطقة.
جادالله اسماعيل – الرياض

مقدمة:
الشجاعة والكرم والإيثار والمروءة قيم إنسانية سامية وركائز متينة تقوم عليها صروح المجتمعات فترتقي بها أعلى درجات السؤدد والمجد. وقد أُرسل بها رسل الهداية في مختلف العصور لنشرها والدعوة لها بين البشر لتسود المحبة ويعم السلام. وصدق رسولنا الكريم عندما قال “بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” وفي ذلك فقد أقر – صلوات الله وسلامه عليه – شجاعة عنترة وإقدامه، وكرم حاتم وإيثاره وهما علمان من أعلام الجاهلية بل وقد أمر – عليه افضل الصلاة والسلام – بإكرام إبنة حاتم الطائي التي كانت من ضمن أسرى جيوش المسلمين في إحدى معاركهم مع المشركين في صدر الإسلام وذلك تأكيداً على دعوته لمكارم الأخلاق وتقديراً لفاعلها حتى وإن كان من غير المسلمين . والتراث الإنساني زاخر بالأساطير والقصص التي تمجد هذه القيم، وكما درجت شعوب الأرض بمختلف أعراقها وسحناتها على التعبير عن مضامين هذه القيم من خلال كثير من أوجه الفنون كالرسم والنحت والغناء وغير ذلك من مجالات الابداع.
وددت من هذه المقدمة المختصرة فتح نافذه على تراث منطقة حمر الثر والمفعم بتلك القيم السامية لنرى كيف صاغوها وعبروا عنها من خلال اشعارهم الغنائية في مناسباتهم المختلفة وذلك في محاولة لمشاركة المهتمين بتوثيق تراث المنطقة وحفظه للأجيال القادمة، ومع علمي بصعوبة التجربة ومشقة الكتابة في مجال يعتبر من أكثر المجالات شحاً في المراجع لكن فالتكن فلتكن هذه المحاولة خطوة أولي في مشوار الأف الألف ميل (والسايقة واصلة) بإذن الله كما يقول المثل، وكما ندعو الاخوة أبناء المنطقة وغيرهم من الباحثين والمهتمين بالتراث في شتى مجالات الابداع – المساهمة بالكتابة في الموقع بخدمة الإنترنيت أو المشاركة بإعداد المواد وإرسالها للقائمين بإدارة هذا الموقع ومن ثم النقد البناء وإبداء الملاحظات في ما فيما يكتب في هذا الشأن – وبالله التوفيق والسداد.
فضل الله أحمد دريبات
الرياض – المملكة العربية السعودية
مارس 2002م

للحديث عن القيم المذكورة آنفاً والبحث عنها في التراث الغنائي في المنطقة لا بد لنا من التعرف على اشكال تلك الفنون والتي تربو على الإحدى عشر نوعاً وسوف أتناولها فقط للتذكير، على أمل تناولها في حلقات قادمة بتفصيل وتحليل أشمل. فمن هذه الفنون ما تشارك فيه النساء بالغناء ثم بالرقص على إيقاعه، ويقوم فيه الرجال بأداء الإيقاع وذلك بضرب الارجل مع التصفيق (والكرير) وهو إخراج الصوت من الجوف والحناجر مثل الجراري والعنقالي والحسيس والطمبور ولبادة وعجيلة، ومنها ما يؤديه الرجال فقط كمساجلات الحاردلو (الدوبيت) والجالسة . ومن تلك الفنون ما تؤديه النساء فقط كسيرة الشقلاب ، أما رقصتي كدنداية والسابتولي فيشترك في أدائهما الجنسين معاً، وهنالك العديد من الأغاني والأشعار والأهازيج تغنى في المناسبات المختلفة – كترحيل العروس الى بيت زوجها وحلاقة شعر المولود الاولى (الزيانة) وحتى ختان البنات، وجميعها لا تخلو من معاني الفخر والإعتزاز بالشجاعة والكرم وغيرها من مكارم الأخلاق، وسوف نتناولها جميعا في مقالات لاحقة بإذن الله.
أما في هذا المقال فسوف نتحدث عن واحدة من أميز أنواع الفنون وأغناها بالمفردات والمعاني الجميلة والمعبرة عن القيم السامية لإنسان المنطقة. ذلك النوع هو سيرة الشقلاب – نورد منه بعض الأمثلة ونقوم بتحليلها والتعرف من خلالها على ما ذكرنا من تلك القيم موضوع الحديث.
سيرة الشقلاب هي أول فقرة من فقرات اليوم الأول للزواج والتي غالباً ما تبدأ بعد الظهيرة. والشقلاب هو تقليب الشعر بالنسبة للنساء أثناء الرقص تارة بالجهة اليمنى وتارة باليسرى فيما يعرف (بالشبال) ولكن في حركة مستمرة مع قفزة قصيرة الى أعلى وصفقة لزوم حفظ الإيقاع الذي يبدأ ثقيلاً ثم يتسارع عندما يمتطي العريس صهوة جواده أو ما تيسر من(زاملة) إيذاناً بالسير نحو بيت العروس. وتتكون السيرة من فاصلين، الأول يكون العريس فيها جالساً على سرير يتم إعداده إعداداً خاصاً لهذه المناسبة مزين بفُرُش جميلة زاهية الألوان. أو يكون واقفاً لإستقبال المهنئين (المبشرين) بالخير في حياة زوجية سعيدة أو لأخذ شبال الراقصات من بنات العم أو الأقارب اللائي يخرجن من بين جموع الحاضرات ويأتينه مثنىً أو ثلاث ويعدن مرة أخرى لتأتي غيرهن. أما الفاصل الثاني وكما ذكرت سابقاً يبدأ من لحظة توجه العريس نحو بيت العروس.
الإعداد لهذا اليوم يبدأ مبكراً جدا،ً فالصبايا يبدأن قبل يومين أو أكثر بتضفير الشعر على شكل جدايل منسدلة على الأكتاف تزينها (تمايم) التمر والودع المنضومة في شكل عناقيد موزعة في نسق يتناسب مع حركة الشعر عند الشقلاب – هذه التمايم كثيراً ما تتعرض لنهب الأشقياء من الصبية – وكما يقمن أيضاً بإعداد خلطة خاصة من العطور مكونة من الودك والمحلب والكركار وشي من عطر (أبوبنية)- وذلك يختلف عن أبوبنت طبعاً- فيمسحن به تلك الجدايل فيزيد من وزنها ويحسن من إستقامتها وانسدالها فيكسب الأداء رشاقة وجمالا ويعطر ساحة الحفل بعبق يفوق رائحة الدعاش. أما العريس فهو الأكثر جاهزية شكلاً ومضموناً فتجدة مرتدياً طقماً كاملاً من الملبس البلدي المكون من عراقي أو جلابية وثوب (بنقالي) وسروال ومركوب، ممتطياً صهوة جواد يقوم بإختيارة وإختبارة مجموعة من خبراء الخيول (السيسين) ودائماً تُوكل مهمة قيادة (زاملة العريس) لشخص آخر غالباً ما يكون أحد كبار السن من أقرباء العريس وهي درجة عالية من التقدير والإحترام لا تمنح إلا لذوي الشان الرفيع والقدر السامي في الأسرة أوالعشيرة. ولا تكتمل جاهزية العريس إلا بسيف صارم يلمع مرفوعاً بيمناه وسوط – كالحية يتلوى بيسراه يحتاجة في إرضاء أترابه من الشباب في مشهد سوف نتعرض للحديث عنه لاحقاً في هذا المقال.
هذا اليوم يأذن ببداية حياة جديدة لشاب كان يعيش تحت كنف ورعاية والده الذي يعوله ويكفيه شر المسغبة والعوز ونوازل الدهر. وهو اليوم مُقدم على تكوين أسرة يكون مسئولاً عن رعايتها وحمايتها والإنفاق عليها، وهذا يعنى الكد والجد في طلب المال وتوفيره لأجل ذلك، وللمال كما نعلم تبعات ومخاطر جسام، خاصة إذا كان من الإبل أو غيرها مما يكون عرضة لمطامع الغير. وقد عرفنا وسمعنا الكثيرعن أطماع الهمباتة في أموال غيرهم ومدى استعدادهم لخوض المعارك من أجل حيازتها وامتلاكها، غير مبالين بما ينجم عن تلك المعارك من خسائر بل على العكس من ذلك تجدهم يتقبلون مايحدث لهم من بلاءات ومحن عن رضى وطيب خاطر فيتباهون ويتفاخرون بها في اشعارهم ومناسباتهم المختلفة، وكما كانت هنالك كثير من المناوشات بين القبائل تقع من حين لآخر طمعاً في مال أو أرض. فالعريس يجد نفسه مقدماً على حياة جديدة وفي بيئة تحكمها علاقات وأحلاف وخلاف بين القبائل وصداقات وعداءات ومؤاخاة بين الأفراد، بعضها موثق بالقسم (الكتاب) أو(الفاتحة) – وهذة الظروف والتناقضات قطعا تحتاج إلى قدر عال من صفات الرجولة كالشجاعة والكرم والمروءة وصدق الوعود وإيفاء العهود. وفي سيرة الشقلاب الفصل الاول (المُشكار) يُعطى العريس جرعة عالية الكثافة من الأوصاف النبيلة، وتُسبغ علية الكثير من الألقاب والأسماء، – بعضها لكواسر الوحوش وبعضها لجوارح النسور وأخرى لظواهر الطبيعة وغير ذلك من صفات القوة والبأس – لتكون زاداً وعوناً له على ما هو مُقبل عليه من حياة، أما أغاني الفصل الثاني من الشقلاب فتكون خفيفة الإيقاع وتسمى (المُسيار) وتُؤدى أثناء سير العريس ورفاقة في زفة تجاه بيت العروس ولا تختلف عن أغاني المشكار في المعاني أو المضامين.
أغنيات المشكار الحماسية لا تخلو من صعوبة على القارىء الذي لم يستمع لها من قبل ولذلك أحاول قدر المستطاع تشكيلها وشرح بعض مفرداتها لتقريب المعنى، وسوف نعمل لاحقاً على تسجيلها لسماعها من الموقع.
نجد المغنيات دائماً يبدأن بتعريف العريس، فيذكرن حسبه ونسبه وكذلك يعرفن بقدراته وإمكاناته المادية فيقلن في ذلك:
(مُوُهو غريب بلدة (بكسر الباء) ؛؛؛؛ ومابتكسي الدمور علي جلدة ؛؛؛؛ بلا ابوية من ولده) (بكسر الواو) وتعني إن العريس ابن عمها وليس غريبا،ً وفي منطقة دار حمر ينادون العم بالأب وتقول المغنية إن العريس من ذوى اليسار القادرين على شراء كسوتهم من غير الدمور الذي يعتبر من لباس الفقراء المعدمين. وتقول في نفس المعنى:
(موهو كديس حيشان ؛؛؛؛ الولد البشيل حمله بلا عوان ؛؛؛؛ قال مرحب الاخوان) والمعني ان العريس ليس بذلك القط الكسول الذي يبحث عن صيدة وسط الحيشان، وهو وحده قادر على تحمل مسئولية الضيافة وتكاليفها دون اللجوء الى غيره لطلب المساعدة، ومن الملاحظ إن المغنية تركت المقارنة للمستمع حينما ذكرت ان العريس ليس (بكديس حيشان) ولا أظنها إلا تعني انه ذلك النمر الشرس أو الأسد الهصور الذي لايقرب القرية وحيشانها وصيدها السهل المنال الذي لا يتعدى عجولاً أليفة أو حملاناً وديعة وإنما يختار من الصيد ما هو أكثر ضراوة وتوحشاً.
(موهو كليب صقع ؛؛؛؛ الصقر القيطاني الفي العشوش فقع (بتشديد القاف) مزن الخريف صب ضحى نقع) وتعنى انه جواد كريم كالمزن وشجاع كالصقر. وفي مقطع آخر تصف ايضاً شجاعته وكرمه فتقول (خيك يا ام عاجة (السوار) ؛؛؛؛ الشعبة المتينة التلزم الكاجة ؛؛؛؛ تيراب النمور المو بكان حاجة)
(عروسه قولي اندور ؛؛؛؛ يا الرعد البدودي التور(بتشديد التاء والواو) الخافور ؛؛؛؛ بين (بتشديد الباء) في رفاقته ومحوره مجرور) هنا تناشد عروسته أن تطلب ما تريده من متاع الدنيا فالعريس ميسور الحال ويفوق اقرانه مالاً , وجر المحور يعني وسم الإبل، وتود القول أن العريس من كبار ملاك الإبل ولايمكنه التعرف عليها بسبب هذه الكثرة إلا بوسمها. والخافور هو العشب في بداية نموة ويسمى الشوقارة أيضاً
وتقول المغنية وهي تشجع العريس وتحثه على الإهتمام بالحدث والتفاعل معه (شدولك الزمكور (الحصان القوي الجامح) ؛؛؛؛ يا الاسد البكركر في حجاري الخور ؛؛؛؛ هوش لا تضل جنك (جئنك) بنات الدور). لاتضل يعنى لاتصبح ذليلاً أو مسكيناً واهل المنطقة أحياناً ينطقون حرف ال (ذ) ضاد فيقولون مثلاً للذيل (ضيل) وللذهب (ضهب) وكما يقلبون حرف ال (ظ) ضاد ايضاً فينطقون الظلام (الضلام)

وتقول أيضاً (شدولك الهباش (بتشديد الباء) ؛؛؛؛ يا نمر الفروع السلل طواقى الناس ؛؛؛؛ بتوطى القلوب ويمشي على الَفشفاش) والطاقية مجازاً هنا تعني أعلى الجمجمة أي (القرعوبة) والمعنى واضح.
وعندما يبدو على العريس التعب ويعتريه الفتور ويصبح مهموما شارد الذهن – تعاود المغنية حثه وتشجيعه ببضع أبيات تستفز مشاعره وتخاطب أحاسيسه فينتبه مستجمعا قواه الذهنية والجسدية ويعود أكثر حماساً وحيوية، وهكذا تفعل معه ومع غيره من المحتفلين بين الفينة والأخرى فتحافظ بذلك على درجة الحماس وتبقي جذوة الانفعال متقدة طوال الحفل واحياناً تستعر وتحلق بالكثيرين الى عوالم الذكريات خاصة كبار السن، فيجترون مواقفهم واعمالهم البطولية فتحمر العيون وتسكب الدموع (استهواشاً) في لحظة من أندر اللحظات المسموح فيها بذلك. أما الشباب فشأنهم آخر، حيث أنهم لايعتمدون على الذكريات في التعبير عن مشاعرهم التي بلغت درجة الاشتعال والحكامة تحلق بهم من مشهد الى آخر وكلها تحكي نوادر البطولات والمواقف الشجاعة الخاصة بأجدادهم الفوارس أو مايجب أن يكونوا عليه، وبما أن رصيدهم من ذلك معدوم والموقف يحتم عليهم فعل شيء ما ينالوا به قدراً ولو يسيراً من إعجاب الحاضرين فإنهم وفي خطوات واثقة يدخلون الحلقة ويحيون الحضور ويبشرون بالخير على العريس وفي إصرار يدعونه الى (الفال) وهو جلد كل من الشباب المستعدين في الساحة ما لا يقل عن ثلاثة جلدات مشاركة للعريس وتعبيراً عن إعزازهم وتقديرهم له، ورسائل أخرى يوجهونها إلى من يهمهم الأمر. فيترجل العريس استجابة للدعوة يلوح بالسوط في الهواء فيصدر صوتاً كفحيح الأفعى. وفي ذات الوقت يكون الشباب قد اصطفوا كالأوتاد في وضع شبه دائري، عراة أجسادهم إلا من السراويل وبضع (حجبات) على الأذرع وطاقية (مدنكسة) وعصاً يرتكزون عليها لزوم الثبات أمام بنات العم ولسان حالهم يقول (لا يقول المرء كان أبي وإنما يقول المرء هاأنذا). ووسط زغاريد النساء وصيحات المعجبين ينهال عليهم العريس ضرباً بلا هوادة فلا يزيدهم ذلك إلا عزماً وثباتاً. هذا المشهد الدرامي يتكرر عدة مرات أيام الاحتفال التي قد تمتد إلى اسبوع بكامله وهي فقرة لتحدي الصعاب وإختبار (الرجالة) وقوة التحمل.
فمن الرسائل الموجهة للعريس: (أنم على الجاغوس ؛؛؛؛ يالشدرة الضليلة الما نقرها السوس ؛؛؛؛ في راسها النمر وفي ضلها الجاموس.) والشجرة الظليلة تجود بظلها للجميع دون من أو أذى وهذه دلالة على الكرم الفياض والعطاء الغير محدود أما النمر المرابط على إغصانها والجاموس المتكىء على ساقها فهى ايضاً دلالة على أن هنالك وجهاً آخر مكمل لصفات الشخص الممدوح وهي الشجاعة والقوة المدخرة للوقت المناسب.
ورسالة موجهة له وللأعداء والحاسدين:(ود النمر أبوغوفة ؛؛؛؛ يا جرو الاسود الحمس قام صوفة ؛؛؛؛ الحاقر رجالته اليدعكة يشوفة) ورسالة أخرى مباشرة له أيضا
(يا عريس وراك ضليت ؛؛؛؛ يا عيد الضحية البفتحوبه البيت ؛؛؛؛ يا زمام الضهب الفي الضلام ضويت.) حيث يعتبر أهل المنطقة أن عيد الأضحى من أيام سعدهم المباركة فينتظرونه لإقامة مناسباتهم المختلفة وخاصة الأعراس ولذلك شبهت به المغنية العريس مدحاً له. وقالت في مقطع ذو رسالة مزدوجة موجهة له ولرهطه المتحلقين من حوله:
وجهك ورا ضلال (بتشديد اللام) ؛؛؛؛ وهلك حمية وللبلي (بكسر اللام ) حضار) ؛؛؛؛ يا عطر النصارة الفي الوجوه بلبال) مالي أراك مهموما وأهلك حاضرون من حولك وجاهزون ليدفعوا عنك كل نازلة أو مصيبة مها كانت؛ وكما نلاحظ أيضاً في هذا المقطع إن المغنية وبطريقة السهل الممتنع جمعت بين نقيضين هما، طيب رائحة العطر (الإنجليزي) وتأثيرة الحارق على الوجه وكأنها تؤكد على ان دماثة خلق العريس ولين جانبه يقابله بأساً وحزماً عندما تحل النوازل ويشتد الكرب وتدلهم الخطوب. وهو نوع من التخريج الفني الرفيع تميزت به أغاني الشقلاب عن غيرها من أنواع الفنون بالمنطقة.. ونحن إذ مازلنا في استقبال الرسائل تطالعنا المغنية برسالة موجهة للعامة في مدح العريس؛ محذرة الجميع من ردة فعله إذا ما هاج وغضب مشبهة إياه بالجمل الجهني الاصل والفحل المشاكس فتقول (يا مخول جهينة السيدة هادنه ؛؛؛؛ كسار للغوارب دمه في سنه ؛؛؛؛ كسوا يا عرب واتورعوا منه) وتقول أيضاً في نفس الصياغ (عزنه سراته ؛؛؛؛ يا مخول جهينة العلو فرشاته ؛؛؛؛ ديدان البطايح دول ابهاته) وديدان البطايح هي الأسود. وفي اسلوب مهذب ينم عن الاحترام والتقدير توجه المغنية رسالتها الى الشباب مخاطبة اياهم بالمياقنة – جمع ميقني وهو الشاب الوسيم المهذب والمتميز عن غيره بدماثة الخلق وطيب المعشر وحسن الهندام والمركوب (الراحلة) والتميقن درجة أعلى من الفنجرة. ولمعرفة المغنية بالحالة النفسية للشباب واستعدادهم الفطري لتجشم الصعاب وارتياد المخاطر – لتأكيد الذات واحتلال موقع متميز في المجتمع – خاطبتهم بلهجة فيها قدر كبير من التحدي وذلك بدعوتهم للإنتباه والتركيز والنظر بعين فاحصة الى مواضع اقدامهم إذا أرادوا السير على طريق العريس الذي أصبح زلقاً شديد الخطر، فتقول في ذلك:
(كلامي دي ليكم ؛؛؛؛ شوفوا يا مياقنة أجلوا عينيكم ؛؛؛؛ أبو درباً زلق مابنمشي ليكم.) وبذلك تفيد بأن قرار الزواج والاستعداد الى تحمل المسئولية والانعتاق من قيود الاسرة ولو جزئياً ليس بالأمر الهين وان الطريق الى تحقيق هذه الأمنية محفوف بالصعاب، ومن سلكة ووصل يستحق الاكرام والتبجيل. وتمضي قائلة وفي مقاطع سريعة الايقاع – وزفة العريس قد توجهت في خطىً سريعة (المسيار) نحو بيت العروس – (الليلة يا ود الدلال ؛؛؛؛ القوة مال والعز رجال ؛؛؛؛ وفي الهجاليج الطوال باقي للشراد خيال)
(ات يا صل الدبيب ؛؛؛؛ يا المتيرب ما بخيب) والصل هو نوع من أنواع الثعابين الجميلة المنظر ودائما يشبه أهالي المنطقة الشاب الوسيم بالصل، وجمال الثعبان لايقلل من خطورته طبعاً. وهذا مثال آخر لجمع النقائض. ونجد انها بلغت قمة الإبداع في هذا النوع من الاسلوب الرفيع المتفرد حين جمعت بين الليونة والقوة في احدى مقاطع المسيار الخفيف الايقاع مدحاً وإعزازاً للعريس وهي تقول : (صمغ التراب اللان أبي ينلاك ؛؛؛؛ يا قيد الحديد الغلب الفكاك ؛؛؛؛ يا ود المعزة الليلة حوبتك جات) فالصمغ اللين بطبيعته سهل المضغ والبلع وعندما يختلط بالتراب أو أي مادة مشابهة يظل رطباً لينا ولكن يتعذر بل يستحيل على المرإ مضغه وبلعه. وكذلك الحال بالنسبة لقيد الحديد حيث يمكنك تحريكة في أي إتجاه شئت ونقله الى اي مكان أردت ولكنك لاتستطيع تفكيك حلقاته مهما أوتيت من قوة.
وحتى لا نبتعد كثيراً عما هدفنا له في هذا المقال وهو محاولة لرصد القيم الجميلة و مكارم الاخلاق في أغاني الشقلاب نواصل عرضنا لبعض مقاطع المسيار لنرى ماذا تقول في الجود وإكرام الضيف:
أصفر يا دخن التقاه ؛؛؛؛ مي(ماء)مطر مُو مي وطاه
(ما شرد قالوله ها ؛؛؛؛ راكب الحمرة أم سراه ؛؛؛؛ حسه بنطق بي قفاه ؛؛؛؛ بيته للضيفان أضاه) والاضاة هي مورد الماء. وتقول ايضاً (جيته جيتاً من درت ؛؛؛؛ لا تنقنق ولا قنت نامن الفي الايد حبت) وجيته جيتاً من شتي ؛؛؛؛ لا تنقنق ولا شكي ؛؛؛؛ نامن الفي الايد حبي) فهو لا يكل ولا يمل الضيف ولا يسأله عن مدة إقامته ولو مكث معه دهراً. وتمضي المغنية للتأكيد على قيمة أخرى تعتبر احدى الدعامات الاساسية والهامة فى اقامة صرح اجتماعي معافى، ألا وهي الابتعاد عن الغيبة والنميمة أي (البلاسة والقطيعة) وذلك في قولها (ما بلس قالولة هس ؛؛؛؛ راكب الحمرة أم جرس ؛؛؛؛ حسة بنطق ماكرس ؛؛؛؛ بيته للضيفان سرف) وقولها (بنم عليه ماتقولوا كضابة ؛؛؛؛ دود المسين جي داخل الجُرابة ؛؛؛؛ بسمع في القطيعة ويمشي يتغابه) وتعني انها تمدحه وهي صادقة في ما تقول، والنم هنا يعني الغناء. وتستمر مادحة له مبينة شجاعته وبلاءه في خوض المعارك قائلة (أبو شلاليفاً سجن ؛؛؛؛ على سبب الموت حرن ؛؛؛؛ أشبع الصقار لحم ؛؛؛؛ وخلى لى ام مرخيم سهم.)
أما سلامة المنطق وفصاحة اللسان ووضوح البيان فهي قدرات هامة ومطلوبة في مجالس الأجاويد ومعالجة ما يطرأ من مشاكل بين الأهل أو على مستوى العشائر والقبائل الأخرى، وهي صفات تؤهل من يتميز بها الى صدارة المجتمع وتضعه في مصاف القادة والزعماء. ولذلك حظيت بقدر كبير من الاهتمام وحيز معتبر في تراث المنطقة الغنائي. في أغنيات الشقلاب تناولت المغنية هذا الموضوع فقالت في أحد المقاطع:
(ما جلس غلبة الكلام ؛؛؛؛ وما نفض خلاقانة قام ؛؛؛؛ خشمة طقاقة تمام ؛؛؛؛ إيدة سوت وحسه بان) ترى ان ممدوحها لايعجزه بيان أو يعوزه منطق ولم تسمع أنه غادر مجلسا هربا من مواجهة أو عجزا عن مقارعة، بل شبهته في فصل خطابه وفصاحة لسانه ب (طقاقة التمام) – وهي آلة حادة تعرف في المنطقة بالطورية أيضا – يقطع بها قصب التمام، وكما أنه اشتهر وعرف في المنطقة بما قدمت يداه من أعمال الخير. وتقول أيضا في نفس السياق:
(ما جلس غلبه الفهم ؛؛؛؛ وما قعد قسم لحم ؛؛؛؛ وما ملي خلقانة دم ؛؛؛؛ إيده سوت وحسه تم) نلاحظ في هذا المقطع ان أعمال الجزارة كانت من الأعمال المستهجنة والغير محببة عند الأهالي بالمنطقة.
ومن خلال ما استعرضنا من أمثلة لأشعار سيرة الشقلاب نلاحظ أن هنالك رسالة تربوية هامة تنتشر وتتمدد من خلال التراث الغنائي لمنطقة دار حمر- تدعو للفضيلة ومكارم الأخلاق وتحفز أفراد المجتمع وتحثهم على التمسلك بالقيم الإنسانية السامية والسلوك القويم. وكما نلاحظ أيضاً الدور الهام الذي تطلع به المرأة في صياغة تلك القيم ووضعها في قوالب من الشعر الرصين ومفردات تلهب الحماس وتداعب الوجدان وتلامس شغاف القلوب حتى تبناها إنسان المنطقة وأقام منها صرحاً شامخاً من العزة والكرامة وصنع منها نسيجاً دقيقاً لحمته وسداه المحبة والسلام.
والى أن نلتقي عزيزي القارئ في إطلالة أخرى على نافذة التراث أستودعك الله – وشكراً ؛؛؛؛

فضل الله أحمد دريبات
الرياض – المملكة العربية السعودية
مارس 2002م